قطب الدين الراوندي

179

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

الزلفة ، فلما استوفى طعمته واستكمل مدته رمته قسي الفناء بنبال الموت ، وأصبحت الديار منه خالية ، والمساكن معطلة ، وورثها قوم آخرون . وان لكم في القرون السالفة لعبرة ، أين العمالقة وأبناء العمالقة ، أين الفراعنة وأبناء الفراعنة ، أين أصحاب مدائن الرس الذين قتلوا النبيين وأطفئوا سنن المرسلين وأحيوا سير الجبارين ، أين الذين ساروا بالجيوش وهزموا الألوف وعسكروا العساكر ومدنوا المدائن ( منها ) : قد لبس للحكمة جنتها ، وأخذها بجميع أدبها ، من الاقبال عليها والمعرفة بها والتفرغ لها ، فهي عند نفسه ضالته التي يطلبها ، وحاجته التي يسأل عنها . فهو مغترب إذا اغترب الاسلام ، وضرب بعسيب ذنبه ، وألصق الأرض بجرانه ، بقية من بقايا حجته ، خليفة من خلائف أنبيائه . ثم قال عليه السلام : أيها الناس إني قد تثبت لكم المواعظ التي وعظ بها الأنبياء أممهم ، وأديت إليكم ما أدت الأوصياء إلى من بعدهم ، وأدبتكم بسوطي فلم تستقيموا ، وحدوتكم بالزواجر فلم تستوسقوا . للَّه أنتم ، أتتوقعون إماما غيري يطأ بكم الطريق ، ويرشدكم السبيل . ألا وانه قد أدبر من الدنيا ما كان مقبلا ، وأقبل منها ما كان مدبرا ، وأزمع الترحال عباد اللَّه الأخيار ، وباعوا قليلا من الدنيا لا تبقى بكثير من الآخرة لا يفنى . ما ضر اخواننا الذين سفكت دماؤهم بصفين ألا يكونوا اليوم احياء يسيغون الغصص ويشربون الرنق . قد واللَّه لقوا اللَّه فوفاهم أجورهم ، وأحلهم دار الأمن [ من ] ( 1 ) بعد خوفهم . أين اخواني الذين ركبوا الطريق ومضوا على الحق ، أين عمار ، وأين ابن التيهان ، وأين ذو الشهادتين ، وأين نظراؤهم من اخوانهم الذين تعاقدوا على المنية وأبرد برؤوسهم إلى الفجرة .

--> ( 1 ) الزيادة في م .